Powered By Blogger

’’زد‘‘ ودروس الثورة المصرية الثلاثاء, مارس 27, 2012



’’زد‘‘ ودروس الثورة المصرية
كنت ألمح شعار الأوسكار على الأفيشات فى طريقى إلى المدرسة، ولحداثة سنى آنذاك اعتقدت أن هذا الشعار إنما يخص فيلم ’’زد‘‘ لكوستا جافراس، ولا أدرى لم أصابتنى لهفة قوية لمشاهدته حتى أصبح حلما لم يتحقق إلا منذ أيام قلائل بعد مرور ما يزيد عن الأربعين عاما من هذا الحلم.
لعل ما أثار فضولى هو عنوان الفيلم الذى جاء مكونا من حرف لاتينى وحيد وهو Z وينطق حسب الفيلم ’’زي‘‘ وهو مربط الفرس فى الفيلم الذى تم إنتاجه سنة 69، وهو مبنى على حادثة حقيقية حصلت فى اليونان عن الرواية التى تحمل نفس العنوان والتى صدرت سنة 66 للكاتب فاسيليس فاسيلوكوس والتى استوحاها من مقتل السياسى جريجوريس لامبراكيس سنة 63.
حين تابعت الفيلم خيل إلى أننى أشاهد نسخة قديمة من ثورتنا المصرية ، وكأن النظام كان عاكفا على مذاكرة الفيلم وحفظ السيناريو بحذافيره بدءا من استخدام البلطجية وتواطؤ الشرطة وتسويف القضايا.
هو بحذافيره ما يحدث منذ بدء الثورة وحتى يومنا هذا، الفارق الوحيد يكمن فى وجود طرف ماسونى هو المنقذ  فى اللعبة والذى تم تجاهله تماما فى التحقيقات بعد أن تعرض عضوان من البرلمان لإيذاء البلطجية مما أدى لوفاة الشخصية المحورية فى الفيلم وهو الدكتور المحاضر عقب محاضرة فى مؤتمر لرفض التسلح النووى والتى رفض البوليس تأمينها، وقام بتأمينها بشكل صورى، بل قام فى واقع الأمر بتأمين خطة الاغتيال للبروفيسور وإعداد التقرير بشكل مسبق للإفادة بأنه مات إثر حادث بسيارة يقودها سائق مخمور مما يذكرنا بخالد سعيد وتقرير اللفافة، وكذا العدوان على البرادعى وابو الفتوح وغيرهم.
أما ذلك الشخص الماسونى فقد قام برغم ضآلة حجمه بمطاردة السيارة ركضا وتضارب مع البلطجى الذى أطل منها ليضرب البروفيسور بهراوة من النوع المستخدم فى جهاز الشرطة، ثم لم يظهر أى دور له فى القضية ولا فى الأحداث رغم كونه شاهدا لا يستهان به، وهو أمر يدعو للعجب فى فيلم بهذا الإحكام، ترى هل كانت مجرد مغازلة  للماسونية أم هجوما عليها!!؟
وكما أشعلت الثورة المصرية صورة خالد سعيد السكندرى أشعل صحفى من جريدة محلية يحمل كاميرا لا تفارقه تصور البلطجية وهم يضربون أتباع البروفيسور، بل ويضربون الفتيات ويتحرشون بهن!!
وكلما حاول وزير الداخلية والدفاع إغلاق الملف تتكشف الخيوط للمحقق المتابع للقضية ليكتشف مدى تورط النظام فى عملية الاغتيال ومحاولاته تلفيق بيانات تتعارض مع تقرير الطبيب الشرعى الذى أجبر على الصمت حين كان البروفيسور فى غرفة العمليات قبيل وفاته وبأمر من وزير الداخلية ومأمور البلدة، وحين يقترب من الحقيقة كاملة يتعرض المحقق للمساءلة من قبل النائب العام الذى يحاول إثنائه عن الاستمرار فى القضية كى لا تهتز سمعة القضاء والمؤسسة العسكرية بجيشها وشرطتها!!
أى أن العسكر والقضاء خط أحمر!!
لكن المحقق يأبى الانصياع لمطالب النائب والتى تصل إلى حد التهديد ويقوم باستدعاء كافة المتهمين بدءا من البلطجية والذين ينتمى معظمهم لحركة مسيحية متطرفة تدعى كروك وانتهاء بالجنرالات الكبار، مما يذكرنا باستدعاء المشير واستجوابه والمدهش أن الفيلم فرنسى وأن قانون بلادنا معظمه فرنسى!!
حتى الفوتو شوب الذى خرج علينا العكاشيون به لم يغب عن الفيلم، فحين عرض المحقق على المأمور صورة  له مع القاتل  ـ والذى حاول قتل الشهود  بعد مقتل البروفيسورـ كدليل قال إنها صورة ملفقة ليبدأ بعدها مهرجان البراءة وقتل الشهود لينتهى الفيلم بأن يأخذ العسكر  لفت نظر، وأما القتلة من البلطجية  فأخذوا أحكاما مخففة لا تزيد عن أربع سنوات، بل وأخذ بعضهم غرامة، مما يذكرنا ببلطجية أحداث قنا وبالمخبرين اللذين قتلا خالد سعيد وببراءة بلطجية السيدة.

وأخيرا ينتهى الفيلم باستقالة الحكومة وتولى الجيش السلطة  وبسيطرة التيار الدينى
الذى يحظر الشعور الطويلة  للرجال والجونلات القصيرة للنساء وفوق هذا وذاك حظر المظاهرات ، والرقابة على المطبوعات وتحريم كتاب بعينهم مثل سوفوكليس وأرسطو وتولستوى والرياضة الحديثة بل وحظر استعمال حرف Z الذى ينطق باليونانية ’’زي‘‘ وهى كلمة معناها إنه حى!!
سامية أبو زيد

الرومانسية تطل برأسها فى أحلام شكسبيرية الخميس, فبراير 23, 2012



الرومانسية تطل برأسها فى أحلام شكسبيرية
نظرات على ديوان شعبان يوسف الجديد
بقلم: سامية أبو زيد
صدر مؤخرا عن دار ’’هفن‘‘ للترجمة والنشر والبرمجيات ديوان ’’أحلام شكسبيرية‘‘ للشاعر والناقد والأديب ’’شعبان يوسف‘‘.
وقبل إلقاء الضوء على الديوان فلنلق الضوء على شعبان يوسف الإنسان المثقف أولا، فمن يخالطه يجده كالنهرالذى يمنحك الغذاء أو يرويك بفيضه وفى أقل الأحوال تسر بمرآه، فله أياد بيضاء على الكثير من المثقفين وعلى الحركة الثقافية فى مصر، فهو جلد صبور لا يعرف اليأس، ويتجلى ذلك فى ورشته أى ’’ورشة الزيتون‘‘ بمقر حزب التجمع التى صارت كعبة للمثقفين من كافة الأصقاع، فترى العراقى والسورى والفلسطينى والبحرينى، ومنهم المغترب المقيم فى الولايات المتحدة أو فرنسا الخ... تراهم ينتظرون دورهم لمناقشة أعمالهم فى تلك الورشة التى لم يفارقها منذ ما يزيد عن ربع القرن من الزمان.
ولئن وشى هذا المسلك بشيء فأول ما يشى به هو الثبات والرسوخ على المبدأ، وهى سمة الحالمين وهذا يقودنا لفهم العنوان ’’أحلام شكسبيرية‘‘ أى عنوان الديوان المقصود.
وبالنظر فى الديوان الذى يقع فى ثلاث وأربعين ومائة صفحة، وبتصفح عناوين القصائد نجد تكرارا لاسمين بعينهما من شخصيات ’’شكسبير‘‘ المتعددة والتى رسخت فى ضمائر المثقفين كنماذج بشرية أو كعناوين لقيم ما، إذ تجد حتى العامة يستخدمون اسم ’’روميو‘‘ على سبيل المثال للدلالة على العشق ولو على سبيل السخرية حيث يقولون ’’سى روميو‘‘ أى السيد روميو عند الإشارة لعاشق يعانى تباريح الغرام؛ والاسمان المعنيان هاهنا هما ’’هاملت وأوفيليا‘‘ من مسرحية ’’هاملت‘‘ لشكسبير، مما يجعل حالتهما الفريدة فى العشق محورا للديوان، ولكن الشاعر لم يشأ التقيد بهما، كما وأن العنوان لم يكن ليصير موفقا لو نسبه لأوفيليا أو لهاملت، وهكذا وفر على نفسه الحرج وردهما لأبيهما الشرعى ’’شكسبير‘‘ فولدت ’’أحلام شكسبيرية‘‘.
لماذا أوفيليا وهاملت لا ياسين وبهية؟!
فى القصيدة الأولى فى الديوان ’’أمنية من أجل أوفيليا‘‘ ترى مطلعا مفارقا لعنوان القصيدة ذى العلم الأعجمى والأجواء الأوروبية، الدنماركية على وجه التحديد، فتجد المطلع يبدأ كالتالى:
’’لأن المآذن عالية‘‘!!!!!!
وعلامات التعجب هذه من عندى، ثم لا تلبث أن تتناقص علامات التعجب الواحدة تلو الأخرى مع محاولة الفهم والاقتراب من روح القصيدة بل والديوان ككل، إذ يبقى المشهد التصادمى بين هاملت وأوفيليا حول معنى العفاف محورا للديوان، فنرى الشاعر يتجول فى المسرحية منفعلا بها ومسقطا مشاهدها على قصائده ومستعيرا معانيها كى تتبلور فى هموم تشغله.
الهم الأول نلمحه فى القصيدة الأولى متأرجحا بين الثورة لحال الوطن حيث يقول:
’’وتهتف فى وجه هاملت:
متى تشرق الشمس يا صاحبى؟
ومتى أستعيد بلادى التى هربت من هنا؟‘‘
فهل تهرب البلاد؟ أم أن غياب اللغة يعنى بالضرورة غياب الوطن، فالشاعر من ذوى اللسان الفصيح ومن الحريصين على سلامة اللغة وسلامة الوطن عنده، من سلامة لسانه وأفكاره.
ويعود الهم للتأرجح مع حالة حب عذرى تطل على استحياء بين الكلمات حيث يقول:
’’كاد يقبلها
وهو يهبط مرتبكا وخفيفا
فأربكها!
عندما كان سلم ذاك ’’التجمع‘‘ يخلو من
الناس‘‘
ترى أى سلم وأى ’’تجمع‘‘ يقصد؟!
وترتفع نبرة الرومانسية فى القصيدة حتى تصل للذروة فى ختامها بقوله:
’’ويتركها ـ هكذا ـ بين تلك الحشود العتيدة
يرقبها.. هادئا.. هادئا
من مكان قريب لمنزلها
تتسامق عالية مثل مأذنة ترتقى للعلا
ولكنها لا تنام.‘‘
ويتبع تلك القصيدة بأخرى وهى ’’طرف من اعترافات هاملت‘‘، فنرى عروبته تقتحم استعاراته لشخصيات المسرحية بلفظة واشية وذلك حين يقول: ’’وكنت أحرس حفنة تمرٍ‘‘. وكأن الشاعر يريد القول بأن الإنسان هو ذاته الإنسان فى أى مكان وزمان، بثورته وجموحه وثاراته وعشقه وكتمان ذلك العشق، فيصبح البوح أقتل من الكتمان، ويتجلى هذا المعنى فى قوله:
’’وأنطق ما سوف يقتلنى
ثم ينسف عائلة كاملة.‘‘
وفى قصيدته ’’أحلام شكسبيرية‘‘ التى يحمل الديوان اسمها، نكاد نرى قصة متكاملة لحب عذرى منزه عن كل غرض، ومعانى النبل متجسدة فى أسمى معانيها فى كلماته:
’’أخاطبك من مخابئ روحى..
ومن لغتى المعلنة..
ساعدنى أن أكون صديقة أذنك..
أو اكون شعاعا يفيض..
يضيء ظلامك ـ هذا ـ الذى يتكدس
فى غرفة أنت تسكنها..‘‘
هو العطاء بلا مقابل هنا، والبحث عن الرفقة الطيبة فى أذن تعرف كيف تصغى فيكون الإصغاء عطاء فى ذاته، ويتأكد المعنى بشكل أكثر جلاء فى القصيدة التالية ’’صعود أوفيليا‘‘ التى تبدأ بالقول:
’’تباغتنى فى مساء قريب
وترسل بعض حروف مودتها
ـ عبر هاتفها ـ‘‘
فنفهم من تلك العبارة أنها قامت بإرسال رسالة ودودة عن طريق المحمول وإلا فيم قوله حروف؟! ولكن الشاعر لا يستأثر بها ويؤكد على طهارة تلك المشاعر بقوله:
’’أنا يا صديقى
صديقة هذا الهواء
وأختٌ لكل الذين تراهم حولى
يجوبون هذى الشوارع ـ فى صخبٍ ـ
دون أى وجل..
أنا يا صديقى
أحبك جدا
أحبك فعلا
أحب الحياة التى منحتنى لسانا نظيفا،
ووجها صبوحا،
وقلبا يردد ـ فى قوة ـ:
(إذا كنت شريفة وجميلة،
فإن شرفك ينبغى
أن يصون جمالك من المخالطة)*‘‘
فانظر كم خلع عليها من الملائكية والعفاف وكم أجاد توظيف العبارة المقتبسة من حوار هاملت وأوفيليا من المسرحية التى قام بترجمتها د. عبد القادر القط رحمه الله. فهو هنا وإن باح وصرح بالحب لكنه لم يعرض ولم يشبب بالمحبوبة، بل أكد على نبالة تلك المشاعر، بل يسمو بها حتى يصل لذرى تقترب من الصوفية فى قصيدته ’’صرخة هاملت وذراع أوفيليا‘‘ حيث استعار المقولة الشهيرة لرابعة العدوية:
’’أحبك حبين،
(حب لأنك أهل لذاك)‘‘
وتأتى هذه الكلمات فى معرض صرخات هاملت ـ الذى تلبسه ـ بالحقيقة، وبرفضه الخيانات ومن يعتلون العروش دون حق، فيعيدنا تارة أخرى للوطن، الذى لم يتوار بطول الديوان، بل كان يستتر أحيانا خلف وجه أوفيليا أو أحلامها.
وهكذا يتنقل بنا الشاعر من حلم إلى حلم ومن بوح إلى بوح فى قصائده حتى نهاية الديوان، ويحبس أنفاسنا بصور بالغة الروعة مثل قوله:
’’ويصعد فوق سلالم أضلعه،
ثم ينشد بعض قصائده،‘‘
التى حملت صورا مركبة تفيض جمالا، فما بين الصعود فوق سلالم الأضلع التى توحى بالمكابدة وبين إنشاد القصائد نرتد بأذهاننا إلى السلم الموسيقى، فكأن أضلعه سلما يرتقى أو السلم الموسيقى، وهى صورة آية فى الابداع والتوفيق إذ تراوحت بنا بين المعاناة والنشوة.
ومن الصور البديعة كذلك قوله ’’وتحطين خرافة نهرك فى عطشى‘‘ فى قصيدة ’’تهويمات‘‘ التى يختمها قائلا:
’’أنك فيض ضياء
يطلع فى شهقات البوح.‘‘
فكأنه الغريق أو المحتضر عشقا الذى يسأل نفسه متعجبا فى موضع آخر فى قصيدة ’’جنون الباليه‘‘:
’’أيعقل أن أتلعثم فى كل حرف؟
أيعقل أن يصمد القلب مشتعلا
كل هذى السنين؟‘‘
ثم يستطرد حتى يختم القصيدة بما يشبه الاعتراف:
’’أنا أتنفس ـ فعلا ـ
وأهذى بكل فضائلها.‘‘
وكما بدأ الديوان بأوفيليا ختمه بهاملت، والمدهش فى الأمر تلك القسمة العادلة بين هاملت وأوفيليا فى العناوين، فجاءت خاتمة الديوان قصيدة ’’مشهد من هاملت‘‘ لتفصح عن الخط العام للديوان وهو القلق والحيرة والكتمان والظنون التى تحرك القلب الغافى فتبلبل العقل وتقلق الروح، كحال هاملت حين رأى شبح أبيه.
ولكن الفارق بين هاملت وبين شعبان يوسف، أن شعبان يوسف لم ولن يفقد حلمه، وسيبقى يطارده ما بقيت أنفاسه تتردد، وسيبقى عطاؤه للحركة الثقافية كما هو، فمعدنه لا يعرف الصدأ ولا انطفاء البريق.


للاطلاع على المقال
http://www.assawt.com/AssawtPortal/UI/Article.aspx?ArticleID=10666

ورطة الأربعاء, يناير 18, 2012


ورطة
بالرغم من الخسائر التى تعرضت لها دور النشر فى العام الماضى نتيجة لإلغاء المعرض لظروف الثورة، فإن هذه الدور نفسها تمر هذا العام بورطة الافتتاح.
فحسبما نعرف كان لدور النشر دورها الداعم للثورة سواء بالكتب التى نشرت على مدار العام المنصرم ما بين رصد وتحليلات وتنبؤات بالأيام القادمة، أو بالدعم المباشر بحكم موقعها من الميدان مثل دار ميريت لصاحبها محمد هاشم، وما شكلته من ملاذ للنشطاء. 
أما عن ورطة الافتتاح، فذلك لأن المثقفين هم أول من تبنى رفض الحكم العسكرى، واستمرار الثورة إنما هو من أجل تسليم السلطة لمجلس رئاسى مدنى بعد أن تجاوزت البلاد المهلة المحددة، وبالتالى فإن افتتاح المعرض يضعنا فى ورطة حقيقية، فمن الذى سيفتتح المعرض هذا العام، أهو المشير أم واحد من التسعة عشر من المجلس العسكرى، أم رتبة ذات وزن من الجيش؟
فى كافة الأحوال سوف يشكل حفل الافتتاح عندئذ فخا للثورة ومطالبها الرافضة للحكم العسكرى ويكون عندئذ حفل الافتتاح ما يشبه الاعتراف بشرعية الحكم العسكرى، ومن المتوقع ألا يمر الأمر مر الكرام والدليل على ذلك الاجازة التى ستمنح للمعرض يومى 25 و26 يناير تحت مسمى الاحتفالات بعيد الثورة والتى لم تنته بعد.
وهى ليست المرة الأولى التى يشهد فيها معرض القاهرة الدولى للكتاب فاعليات سياسية كانت تقوم على هامش الندوات والمناظرات التى كانت تقام فى المعرض، ولعل القرار بتصفية فرج فودة  كان قد صدرعقب هجوم الاسلاميين عليه فى المناظرة التى أقيمت فى معرض الكتاب.
لا أريد ان أكون متشائمة، ولكن فى ظنى أن المثقفين مستهدفون وأية حوادث أو تحرشات قد تحدث فى المعرض سوف تضاف إلى رصيد خطايا الفترة الانتقالية التى أديرت بسوء تدبير حتى يومنا هذا.

بطل لا تعنيه البطولة السبت, ديسمبر 31, 2011


بطل لا تعنيه البطولة
بقلم: سامية أبو زيد
كان يشكو لجده اضطهاد الزملاء له لولعه بالعلوم وتفوقه فيها فيتمثل اضطهادهم له فى السخرية من بدانته واتهامه بغرابة الأطوار، لذا فقد انعزل عنهم واتخذ له مهربا فى قوقعة بناها حول نفسه، ولكن الجد لم يرض عن لجوء حفيده لعدم المواجهة والاستسلام للعجز والاحتجاب عن الناس، فنصحه قائلا: ’’سوبرمان ليس بطلا، فهو مجرد مستخدم لقواه التى منحتها له الظروف، فأين البطولة فى ذلك وهو الرجل الخارق!؟‘‘.
المقطع السابق هو مشهد من فيلم أمريكى لا أذكره ولا أذكر من تفاصيله سوى نصيحة الجد لحفيده، ولا أنكر أنها أصابت فى نفسى هوى وأفرزت رؤية مغايرة لمعنى البطل والبطولة، ولنأخذ على سبيل المثال موقف الشحات حين تسلق تلك الطوابق المتعددة ليسقط علم اسرائيل ويرفع مكانه العلم المصرى وهتاف الجماهير له عقب ذلك: ’’انزل يا بطل، انزل يا بطل‘‘، والمؤسف فى الأمر أن البعض لم ير فيما فعله سوى مهارة بهلوانية لاننكرها عليه، ولكن هل كان يتحدى قانون الجاذبية فحسب حين قام بفعلته؟ ألم يكن عرضة للانزلاق أو التفاف العلم حول عنقه بفعل الريح فى الأدوار العليا؟ أو أن يتهاوى به جهاز من أجهزة التكييف التى كان يستخدمها كمنطات بين الطوابق؟
فى ظنى أن بطولة الشحات هى بطولة مؤقتة، عفوية وليدة اللحظة، وأهميتها تكمن فى تأثيرها النفسى على الجماهير، وكلنا نذكر كيف ارتفعت الروح المعنوية بعدها، ولكن...
سرعان ما كان لفعلته تداعياتها على أكثر من صعيد، فهناك من وقع تحت تأثير سحر اللحظة ورفض الخروج من نشوتها أو لنقل إنه عجز عن الإفاقة منها، وعلى جانب آخر استشعر أعداء الثورة الخطر فى هذا الشحذ المعنوى فعمد إلى تشويه صورته والتهوين من فعلته، ووصل الأمر لمحاولة سرقة هذه البطولة أو الأضواء التى سلطت عليه ونسبة الفعل إلى نفسه، لينشغل الناس فى النهاية بالانقسام حول البطل الحقيقى أهو الشحات أم شخص آخر، أهو حقيقى أم مدع، وحول هذا الفعل أهو بطولة أم مجرد أكروبات لا تختلف عن تلك التى يقوم بها أى ’’حرامى مواسير‘‘ أو هجام، او حتى فرد صاعقة مدرب!!
ننشغل بذوى الأفعال الخارقة اللحظية ونغفل عن أبطال يمشون بيننا، نراهم ولا نرقبهم لنرى قوتهم الحقيقية اليومية.
حين استشهد خالد سعيد لم تعنه البطولة، بطولته كانت وليدة الصدفة، وأثرها هو البذرة الحقيقية للثورة، لم يكن وائل غنيم ومساعدوه فى صفحة ’’كلنا خالد سعيد‘‘ هم الأبطال، بل كل من اعتنق الفكرة ووجد كلمة ’’كفاية‘‘ وقد أصبحت فرض عين، فارتدى السواد ونزل فى صمت ليقف على الكورنيش.. أى كورنيش دون أن ينظر حوله متسائلا هل من أحد يرانى؟ هل معى أحد؟
من هؤلاء الذين نزلوا فى صمت ثم علا صوتهم حتى أطاح بالطاغية الرابض لعقود على حكم البلاد؟
الذين نزلوا هم أبناء الأبطال المتهمين بالصمت لثلاثين عاما على طغيان مبارك، كل أب اقتطع من قوته ليوفر لابنه جهاز كومبيوتر ولجأ لإدخال وصلة فى بيته تعينه على غسيل وعيه من الإعلام الزائف والانفتاح على العالم، هو بطل.
كل أب وكل أم عانوا من فساد التعليم وتزييف الوعى فاجتهدوا فى رفع ما تيسر من تلك الأدران عن عقول أبنائهم كى لا يحبطوا وتغتال أحلامهم مثلهم، بم نسميهم غير أنهم أبطال؟!
ذلك الأب العامل وتلك الأم العاملة، من رأى الفساد واكتفى بأضعف الإيمان فلم يشارك فيه، هؤلاء هم من أنجبوا هذا الشباب الثائر. منهم من حاول منع ابنه من النزول للمشاركة فى الثورة لينزل هو، ومنهم من اصطحب أسرته بأكملها.
البطولة ليست وليدة يوم أو ساعة، بل هى فعل يومى متصل، الموظف الشريف الذى يدبر حاله بمرتب لا يكفل له العيش الحاف فيبحث عن عمل إضافى كى لا يمد يده بالسؤال أو يمدها للحرام ويجاهد نفسه هو بطل حقيقى. حين تراه محشورا فى أوتوبيس نقل عام ويشق طريقه بين الركاب ليقفز أمام محل عمله بم تسميه؟
الأم التى تذبل تحت وطأة الهموم بين إدارة شئون أسرتها وعملها إن كانت عاملة، أو تصبر على غياب الزوج طيلة النهار إذا كانت غير عاملة، وترعى فى غيابه الأبناء متحملة الأمانة بجلد وصبر هى بطلة ولا ريب. ليس مطلوبا منها أن تكون خنساء أخرى تقدم أبناءها للاستشهاد فى سبيل الوطن لكى تستحق لقب الأم المثالية أو أن تسبغ عليها سمات البطولة، لو انها اكتفت بحمايتهم من الانحراف فى زمن المغريات، لكفاها ذلك.
الواقفون فى طوابير العيش وأنابيب الغاز، السائرون فوق قوالب الطوب فى الليالى الممطرة، الواقفون تحت حر الشمس بانتظار الأوتوبيس، المتحملون لسخافات وبلطجة سائقى الميكروباص بأغانيهم أومواعظهم الدائرة عبر الكاسيت حول عذاب القبر والثعبان الأقرع والسحر والعين. المعتدلون الحافظون لصحيح دينهم من مسلمين ومسيحيين والمتمسكون بمصريتهم فى وجه رياح الفتنة العاتية وفى وجه زارعى البغضاء، كل هؤلاء لا تعنيهم البطولة وبريقها لكن صبرهم من صبر الأنبياء.
وتحضرنى فى هذا الصدد ذكرى مهرجان أقيم لتكريم الأم الفلسطينية لكونها نموذجا للصمود والبطولة، لا لأنها تلد الشهيد تلو الشهيد ولا المناضل والأسير فحسب، ولكن لمجابهتها كذلك صنوف النكال من المحتل عبر العقود الستة الماضية وإرهابه وحصاره؛ ولكونها الأم الفلسطينية الصامدة فكان لابد للأبناء الذين جاء فطامهم على حد الصمود من نصيب فى هذه البطولة اليومية، فنذكر حرص التلاميذ الفلسطينين على عدم الانقطاع عن الدراسة رغم الحصار ورغم القصف، وكيف أنهم كانوا يحصلون ما يفوتهم فى خيام بديلة عن مدارسهم التى يحاول العدو الصهيونى حرمانهم منها لكى يبقى على التفوق النوعى الذى يعوض به الفارق العددى الآخذ فى الازدياد.
بيد أن الصمود الفلسطينى وما يستتبعه من بطولة لهو وليد التحدى الواضح المباشر، بخلاف بطولات من نوع آخر وليدة الصمود إزاء الإغراء والغواية والافتتان بالنفس فى بعض الأحيان، وهو ما يفسر انزلاق بعض المناضلين ذوى المواقف المشهودة فى نبلها وشرف مقصدها لغواية المجد المبنى على تلك المواقف الغابرة، وشيئا فشيئا يتحول المناضل من هؤلاء  إلى نصف إله لا يأتيه الباطل من بين يديه فيستطرد فى التنظير والمزايدة لينزلق أتباعه بدورهم نحو الغوغائية والحماقة... والانقسام فى أغلب الأحوال، حتى يندثر الهدف الأصلى بشكل كامل، إلا من رحم ربى، ومن رحم ربى بم تسميه؟
وبالمثل نجد حملة الأمانة، أمانة الكلمة والرأى؛ فمنهم من يفتنه ما لديه من العلم فيقع فى فخ الغرور وتغويه الألقاب ليصبح طاغية بعدها ونقده زندقة تستأهل العقاب، أما من يذكر نفسه بأن ما لديه من العلم قليل قليل، ولا يكف عن السعى للمزيد من العلم دون تعال عمن هم دونه مقاما أو علما، ذلك الحريص على تذكرة نفسه بفضل الآخرين وألا اكتمال له إلا بهم... ذلك الحامل لروح العالم المتواضع الحق لهو فى نضال مستمر مع نفسه ومجالد لها وبالتالى فهو فى حالة فعل البطولة التى لا تنقطع، والتى لا يشترط لها أن تتمثل فى موقف عصيب يمر حاملا معه تبعاته أيما كانت.
وهى ليست بطولة تقتصر على الأعمى حين يقهر الظلام ولا بطولة متحدى الإعاقة، كما أنها ليست بطولة المبتلى بعيب خلقى يواجه به المجتمع كل يوم رغم تكرار الفعل، بطولة هؤلاء الحقة تتمثل فى إرادتهم فى قهر تلك الابتلاءات وتخطيها.
قياسا على كل ما سبق نوجز معنى البطولة فى بطولة فعل فريد أو حدث غير عادى يحتاج إلى مهارات خاصة وشجاعة الفعل ـ والقول نوع من أنواع الفعل ـ وتحمل تبعاته وعواقبه، وأخرى يومية معاشة تتلخص فى تفاصيل الحياة اليومية، كل يوم تنهض فيه من فراشك لتفتح باب يومك المجهول وتسعى حاملا معك كل ضعفك وعيوبك وهواجسك، وفى بعض الأحيان تشوهاتك النفسية أو البدينة هو فعل بطولى متكرر، هناك بطولة تصرخ فيك لتهب من سباتك، وأخرى تهمس فى أذنك بدأب وصبر لتثبت على طريقك نحو تحقيق أحلامك، وكلتاهما لا تحتاج من المرء أن يكون ذا قوة خارقة، أو قناع يخفى خلفه ملامحه كى لا يعرف الأعداء هويته فيصيدوه من نقطة ضعفه، البطل الحق لابد أن يحمل بين جنبيه ضعفا ما.. شرا ما يحاول تثبيطه فيقهره، البطل الحقيقى هو الإنسان، الإنسان العادى، إنسان كل يوم الذى يواجه الغيب وما يحمله من أشباح الخوف والجوع والمرض والفناء، والذى يواجه الحاضر المتخم بالأطماع والنفاق والدسائس ومكر الماكرين، هو ذلك الذى لا يكف عن الحلم بغد أفضل والعمل على تحقيقه حتى لو اضطر للاصغاء لأكاذيب الساسة وترهات الإعلاميين فى زمن الفوضى الإعلامية.
هو من يستفت قلبه وإن أفتوه، فيثبت على السعى نحو الكمال.. ذلك هو بطل كل يوم.

ولكنه علم كالبكا الخميس, ديسمبر 01, 2011


ولكنه علم كالبكا
بقلم: سامية أبو زيد
تقلبت لشهور فى وظائف مؤقتة ـ والتى لم تكن مؤقتة فى كل مرة أشرع فيها فى وظيفة ماـ وكلها فيما يشبه البحث العلمى، فما بين القطاع الطبى للهيئة العامة للبترول ومرورا بمركز الأمراض المتوطنة بالوراق ـ مشروع الملاريا وانتهاء بالمركز القومى للبحوث فى معمل السموم الفطرية، فلم أر علما ولم أر علماء إلا قليلا، وعلمت أن العلم فى بلادى فى مأزق.
جدير بالذكر أن هذه الذكريات أو الشهادات قد مر عليها ربع قرن أو أشف قليلا، وأحسبها أى الأوضاع؛ لم تتغير لا قبل الثورة ولا بعدها. وسأبدأ معك بطرح تلك الذكريات أولا ثم نحللها معا لنضع أيدينا على أزمة العلم فى بلادنا، فاصبر معى على تلك ’’الحواديت‘‘ فالصبر مفتاح العلم.
فى القطاع الطبى للهيئة العامة للبترول
عقب حصولى على بكالوريوس العلوم قسم الكيمياء فتشت وفتشت كثيرا على وظيفة فما وجدت إلا سكرتيرة حسنة المظهر أو خادمة مقيمة، صفحات وصفحات من الإعلانات المبوبة التى تزخر بتلك ’’الوظائف‘‘، فلم أجد بدا من اللجوء للواسطة التى ألقت بى فى معمل بالقطاع الطبى للهيئة العامة للبترول كى أقضى يومى الوظيفى بين ثلاثة لا رابع لهم، عينات البول وعينات البراز ونسميه من باب التدليل ’’ستوول‘‘، ومساعدى فى المعمل ولنقف قليلا عند مساعدى هذا.
كان عاطف هذا من حملة الشهادات المتوسطة وهو فنى معمل متخصص، والأنكى من ذلك أنه كان مكلفا بتدريبى وتعريفى بطبيعة العمل، ولكن ولنه شهادة متوسطة ولأننى من حملة البكالوريوس ـ رغم تخصصى المفارق لطبيعة العمل وتخصصه المغرق فيه ـ فقد جعلته هذه الأوضاع مساعدا لى رغم أنه يفوقنى خبرة وأضفت على لقب دكتورة بدون مناسبة سوى التمييز الطبقى العلمى؛ فهل انتهت الأمور عند هذا الحد؟ بديهى أن تستنتج أنها لم تنته ولكن إلام انتهت؟
حدث ذات يوم أن ’’عاطف‘‘ وجد بويضة بلهارسيا فى إحدى العينات وفرجنى عليها بالميكروسكوب فعرفت شكلها على الطبيعة لأول مرة بعد طول مشاهدة لإعلانات الترعة الشهيرة، ورأيتها رأى العين، عفوا رأى الميكروسكوب لأكتب التقرير بعدها أن بالعينة الفلانية بويضة بلهارسيا، دونما تحديد لنوعها أهى هيماتوبيم أو مانسونى فلم أكن قد عرفت الفرق بعد؛ إلى هنا ولم تنته الحكاية... فما إن علم المدير حتى استدعانى على عجل ليهنئنى بهذا الكشف العظيم، وعبثا أقول له إن عاطف هو الذى اكتشفها، فقد وطن نفسه على استثمارى فى مكان جدير بى ليلقى بى إلى أخيه فى الوراق والذى كان مديرا لمركز أبحاث الأمراض المتوطنة بالوراق الشهير بالمشروع الأمريكى مع إغراءات ببعثة مرتقبة لبلد الأحلام... أمريكا.
وهاهنا انتهت صلتى بالقطاع وبقى عاطف بانتظار بكالوريوس جديد كى يصبح مساعدا له.
فى المركز الطبى للأمراض المتوطنة للوراق
لن أحدثك عن معاناتى مع وسائل المواصلات الثلاث ولا عن استيقاظى فى الخامسة صباحا للحاق بأول مترو فى السادسة صباحا ولا عن محاولة اختطافى ونجاتى على يد صبى فى العاشرة من عمره، فكل هذه الأشكال من المعاناة شخصية ولا شأن لها بكونى من سكان محافظة غير المحافظة التى عملت بها فى تلك الآونة، ولكن مهلا كيف لى أن أقول إنها شخصية!! أو ليست مشكلة عامة وما حالتى إلا نموذج لتلك المشكلة؟ دعك من هذا، ألم أذكر آنفا أنه مشروع أمريكى من تلك المشاريع التى تقدمها هيئة المعونات الأمريكية؟ أين كانت تلك الأموال من تيسير وسيلة نقل للعاملين، أم لأن عددنا لم يتجاوز العشرين جعلهم يهتمون بأجهزة التكييف والكومبيوتر ’’وطز‘‘ فى الموظفين!؟
عموما هذه ’’الطز‘‘ أتت ثمارها، ولكى أوضح مقصدى دعنى أشرح لك فى عجالة طبيعة عملنا:
كانت مطلوبا منا أن نقوم بعد البويضات الموجودة فى عينات البول والبراز التى تأتينا من القرى المدرجة فى المشروع لنرصد بعد ذلك فاعلية العلاج ومدى التحسن فى كل حالة مقيدة باسمها وتاريخ انضوائها تحت لواء البحث العلمى أى شغلنا. دعك من البراز وخلينا فى البول...
لكى يتم تحضير العينة كنا نرجها لكى تتوزع البويضات بشكل متجانس ثم نسحب منها عشرة ملليلتر من وسط العينة ونقوم بترشيحها وتلوينها ثم نعد البويضات، هكذا دربنى الدكتور رضا سرا لمدة أسبوعين لكى أصبح رئيسة المعمل وتحت يدى ستة فنيين، ثم تسلمت وظيفتى والمعمل وموظفينى الذين يفوقوننى عمرا وخبرة، فإليك ما رأيت.
بادئ ذى بدء وجدت أكواب الشاى والساندوتشات جنبا إلى جنب فى المعمل مع العينات اياها، تلك العينات التى لا تكتفى بكونها مقززة لطبيعتها ولكن لما تحمله من أمراض أتت من أبأس قرى مصر، فهل هؤلاء الفنيون يعون معنى البحث العلمى بل معنى الباراسايتولوجى؟ أم أنهم مجرد ضحايا مكاتب التنسيق ووزارة القوى العاملة!!
هذا فيما يتعلق بصحتهم والمخاطر الشخصية التى كانوا يتعرضون لها، أما فيما يختص بالعمل نفسه، فقد فوجئت بهم يرشحون العينات كاملة، والتى تتفاوت لدى الشخص الواحد من مرة للثانية، فقد يأكل ’’مش‘‘ أو يشرب عصير قصب، فلا حجم العينة ثابت ولا القياس عليها يمت للبحث العلمى بصلة.
وبعيدا عن البحث العلمى أين انسانية هؤلاء؟ كنت تراهم هم الستة، محشورين فى استراحتهم التى لا تزيد عن المترين تزاحمهم العينات القديمة المتراصة فلا تترك لهم سوى منضدة صغيرة وكرسى وحيد يتناوبون الجلوس عليه فى فترة الراحة، أما الاستراحة المخصصة لكبار الموظفين أمثالى ولم نزد عن ثلاثة وقتها فكانت غرفة واسعة بثلاجة وطاولة كبيرة والعديد من الكراسى التى يعلوها التراب، ولك أن تتخيل نضالى مع الدكتور مصطفى رئيس المركز لكى يسمح لهؤلاء الستة باستخدام الاستراحة الكبيرة معنا ورفضى التام لاقتراحه بأن يتم استخدام الاستراحة الكبيرة بالتناوب لما رأيته من تمييز يزيد الإحن بيننا وبينهم فضلا عن اهدار وقت العمل فى حصتى استراحة بلا داع، ولك أن تتخيل أسباب طفشانى فيما بعد من تلك الوظيفة الكئيبة غير المجدية.
فى المركز القومى للبحوث
بعد طول اكتئاب مما عانيت منه فى الوراق لم أجد بدا من الواسطة، فأرسلنى صديق والدى للدكتورة خيرية نجيب بالمركز القومى للبحوث لكى أوضع على قوة مشروع أمريكى فى معمل السموم الفطرية، مشروع الأفلاتوكسينز، وكانت مهمتى أن أساعد طلبة الماجيستر فى أبحاثهم العملية والنظرية، من الآخر مرمطون فى المعمل، فكنت أذهب إلى المكتبة لاستخراج المقالات من الدوريات العلمية وهى مهمة يسيرة وممتعة، أما المهمة السخيفة والتى كانت صلب عملى، فكانت تقطيع السمك المتعفن ـ رغم أنه كان من الأسواق المصرية ويأكله الناس ـ  وضربه فى الخلاط مع مذيبات عضوية لتهيئته للباحث الذى سخرونى لمعاونته.
فكانت الأيام تمضى هانئة لا تدرى كيف، أو لنقل هانئة بشكل نسبى، ليرتفع صراخ الدكتورة خيرية: ’’مين اللى مسك التليفون بايديه مطرحها سمك؟‘‘، ليقفوا جميعا كالتلاميذ المشاغبين وقد رسم كل منهم على وجهه البراءة.
ولم تحاول تلك الدكتورة أن تسأل نفسها لم يفعلون ذلك بها؟ لم تنظر إلى الخلاطات العطلانة وطابور الباحثين وهم بانتظار انتهاء الخلاط الوحيد الصالح للعمل من دورته فى يد أحدهم، بل لم تنظر إلى غياب القفازات وعدم توفرها لأى من هؤلاء، رغم سخاء المعونة الأمريكية ورغم المخاطر الصحية الجمة التى كنا نتعرض لها يوميا بالتعامل مع تلك السموم وجها لوجه، أعنى يدا لسمك!!
وأخيرا لم أتخذ قرارى بالرحيل عن المركز حاملة معى ’’المقبول‘‘ الذى  قدرته لى كليتى فى البكالوريوس إلا بعد التقائى بأحد زملائنا المتفوقين والذى كان يحضر للماجيستير فى المطعم المجاور للمركز حيث كان يعمل على ماكينة الشاورما!!
وبعد يا عزيزى القارئ، هل ترى فى بلادنا بعد كل ما حكيت منهجا علميا؟ هل  ترى أناسا مؤهلين لتطوير البحث العلمى؟ فلو غضضنا الطرف عن الواسطة وعن سرقة المعونات الأمريكية فهل هذه العقول التى تتعامل بالبركة قادرة على أن تكون ذات منهج علمى؟ أم أنهم جميعا من عينة تلك الممرضة التى دخلت على مريض مرتدية القفاز الطبى ومعها قطنة مبللة بالكحول وفل الفل ولكنها ركنت الحقنة المفتوحة على الكرسى قبل أن تغز بها المريض!!






عبد الناصر يخترع الفنكوش الأحد, سبتمبر 25, 2011


عبد الناصر يخترع الفنكوش

 ولا أعرف لماذا تخلي عبدالناصر - سريعا - عن صفة إنكار الذات، لأن العدد الثاني مباشرة، والصادر في 15 أكتوبر، أفصحت المجلة عن هذا البطل المرموق، وجاء الفصل الثاني من المقالات: «كيف دبرنا الانقلاب» بهذا التقديم: «استطعنا أن نقنع أحد أبطال التحرير.. أحد الذين رسموا الخطوط الأولي في تلك الحركة أن يكتب قصتها.. قصة الكفاح الطويل الذي قام به أبطال مصر في سبيل مصر، ونشرنا لك الجزء الأول من هذه القصة الوطنية في العدد السابق، فتوالت علينا مئات الرسائل والبرقيات تسأل.. من البطل؟ 
الاقتباس السابق من مقال الأستاذ شعبان يوسف فى العدد الجديد من مجلة روز اليوسف والذى حمل عنوان ’’رواية ناقصة من تأليف البكباشى جمال عبد الناصر‘‘، أما الفنكوش فقصته معروفة ولمن لا يعرفها لنا تعقيب عليها فى لاحق السطور
وقد ذكرتنى العبارة المقتبسة بأسلوب الدعاية الأمريكية وكأننا بإزاء اعلان أمريكى من تلك الإعلانات التى تبدأ فى الترويج لسلعة ما من قبل أن تطرح فى الأسواق، وخلق حاجة ملحة لدى المستهلك لاقتنائها بعد الدخول إليه من مدخل الفضول، وقد يتعاقد عليها قبل أن تطرح فى الأسواق وهو مغمض العينين مكبل الوعى بحاجته  الفعلية لهذا المنتج من عدمها. بل وقد يتم الإعلان عن المنتج ـ الغير المنتج بعد ـ والترويج له قبل أن يكتمل التصور النهائى له، فالهدف الحقيقى هو السيطرة على السوق أى الجماهير، تماما كما حدث مع الفنكوش الذى ظهر فى أحد أفلام عادل امام الشهيرة وهو المأخوذ عن الفيلم  الأمريكى حديث الوسادة لروك هدسون ودوريس داى،حيث تم الإعلان عن منتج وهمى ومن بعدها لجأت الشركة المتورطة فى الإعلان لجهبذ من جهابذة الكيمياء ليبتكر لهم شيئا ما، أى شيء ليقدموه للمستهلك، فكانت الحلوى ’’المسكرة‘‘ والتى تفوق فى تأثيرها الخمور، ويتم إعدام المنتج قبل طرحه فى الأسواق لقاء عرض مغر من شركات الخمور المهددة بالإفلاس. 
وهو عين ما حدث أو لنقل ما ورد فى مقالة الأستاذ شعبان يوسف، بدءا من الترويج للبطل المتواضع، ثم الاستعانة بجهابذة المثقفين شأنهم فى ذلك ذلك شأن المخترع اياه، كى يسوق لهم انقلابهم باعتبارها ثورة، ثم كما حدث فى الفيلم بالضبط، انحرفت السلعة المطروحة على استحياء عن مسارها لتدخل البلاد فى أزمة مارس 1954، ليتم بعد ذلك الإطاحة بالسلعة المروج لها بشكل تام ويكتشف الشعب أنه اشترى الترماى بحكم عسكرى يأبى العودة إلى ثكناته منذ تلك اللحظة وحتى يومنا هذا
رابط المقال المذكور
http://www.rosaonline.net/Weekly/News.asp?id=125628

الأحد, سبتمبر 18, 2011


الرواية التى كادت تقضى على صاحبها
 فى
 ليل أغسطس
بقلم: سامية أبو زيد

’’موهبة متفجرة‘‘... هذا التعبير المستهلك يسترد مدلوله كاملا حين يكون الكلام عن محمد ابراهيم محروس، فهو لايتمتع بغزارة الإنتاج فحسب، بل والسيطرة على قلمه كفارس يسوس جواده كيفما يشاء ووقتما يشاء. ويحضرنى مثال أسوقه إليك ليتضح لك مقصدى من قولى هذا، إذ حدث ذات يوم أن قال لى إنه يريد أن يغير أسلوبه فى الكتابة لكى يواكب العصر بعد ما قرأه من آداب حديثة، فوقر فى ظنى أن أمرا كهذا سوف يكلفه عدة شهور من المحاولات والتجريب شأنه فى ذلك شأن أى كاتب عادى، ولكن.. ولأنه محمد ابراهيم محروس فاجأنى فى اليوم التالى أو بعدها بيومين على الأكثر ـ والعتب هاهنا على الذاكرة ـ بقصة قصيرة.
كان اسمها ’’دير العاشق‘‘، وحين قرأتها أصبت بصدمة أو ذهول أو دهشة أو كل ذلك فى آن معا، وبالطبع أنت متوقع لما حدث ولسبب دهشتى، فدعنى أقول لك إنك على حق فيما ذهب إليه ظنك. أجل.. لقد كانت قصة جديدة كتبها بين ليلة وضحاها بأسلوب جديد وبلا أى لبس أو تخبط قد ينجم عن التجربة الأولى، وكأنه كان يكتب بهذا الأسلوب منذ سنوات عديدة.
هذا هو محمد ابراهيم محروس القاص المتدفق الهادر كشلال كلمات، أما الرواية المعنية وهى ’’ليل أغسطس‘‘ فكادت تقضى عليه بأكثر من طريقة ولأكثر من سبب، ولكى لا أطيل عليك هاك ما جرى.
قامت دار نشر ’’مير‘‘ بعمل مسابقة أدبية للنشر، حيث يتقدم المتسابقون بأعمالهم للدار ويكون النشر المجانى من نصيب الفائز بالمركز الأول، فقام الكاتب بإرسال روايته ليل أغسطس التى كانت جاهزة لديه، واستمر كما هو فى متابعة نشاطه وإنتاجه وتواصله مع جمهوره الواسع عبر المنتديات الثقافية والصحف والمجلات الالكترونية والمطبوعة مثل موقع ’’نون‘‘ وجريدة أخبار الأدب وغيرهما، وسارت به الحياة ولم يعد يفكر فى المسابقة أو فى نتيجتها، حتى قرر ’’منتدى التكية الأدبى‘‘ الشروع فى إصدار مطبوعاته الخاصة، وذلك تشجيعا منه لأعضاء المنتدى على التجويد ولتوثيق أعمال الأعضاء ورعاية الموهوبين منهم، وأجمع الأعضاء والإداريون على تدشين تلك الخطوة المحمودة باختيارهم الكاتب محمد ابراهيم محروس وتكليفه بتقديم رواية تكون من بواكير إصدارات التكية، وذلك بشكل متساوق مع المسابقة التى أقامها المنتدى وكان على رأس اللجنة المحكمة الناقد الكبير د. سيد البحراوى الذى التفت بفطنته لمستجدات المشهد الثقافى ودور الشبكة العنكبوتية فى إفراز الجديد من المواهب الشابة التى تستحق الرعاية. فوافق الكاتب على إمدادهم بأحد نصوصه  وأرسل روايته ’’ليل أغسطس‘‘ للدكتورة إيمان الدواخلى كى يشرعوا فى طباعتها.
وبالانتقال للرواية نفسها نجد الكاتب قد أجاد رسم الأجواء الغامضة بطريقة مشوقة تقترب من الكتابة البوليسية، لكنها تختلف عنها فى غوص الكاتب فى نفسية المجرم الذى هو فى هذه الحالة أقرب إلى المريض النفسى، بل هو مريض بالفعل، وما يميزها كذلك هو عدم مجانية التفاصيل التى تطرح بشكل عفوى ليتبين فيما بعد أنها لم تكن عفوية. حتى عندما لجأ للصدفة فى بداية الرواية كانت مبررة ولها منطقها الذى يدعم تصوير الحالة الذهنية لبطل الرواية. ولعل من أبرز المشاهد التى تبرز حالة البطل الذهنية والعصبية ذلك المشهد الذى يثور فيه ويغضب لرؤيته قطة تطارد كلبا وهو رد فعل شاذ لمشهد يفترض فيه أن يثير الدهشة والعجب لا الغضب والثورة.
فهذا هو محمد ابراهيم محروس الذى يكتب بخفة الراقص الذى يحفظ خشبة المسرح فلا حاجة له بالنظر تحت قدميه، ولو حاولت تقفى خطواته لتعثرت لأنه هو... محروس. 



جدير بالذكر أن الرواية فازت مرتين بالمركز الأول وهو ما جعل دار مير تسحب جائزتها وهى مسألة تحتاج للنظر، فمن الذى يضمن أن يفوز عمله فى أكثر من مكان أو فى أى مكان!!؟
أو لايكون فوزه فى أكثر من مكان شهادة استحقاق فى حد ذاته!؟